محسن باقر الموسوي

373

علوم نهج البلاغة

فقد فرض هذا الواقع الاجتماعي نمطا من البلاغة لا نجد لها مثيلا في أدبيات الآخرين ، وهذا هو سرّ خلود نهج البلاغة ، فهو كتاب حيّ لأنه يستخرج من أعماق الإنسان ما يختلج بداخله ، فإذا بنا نشاهد بشرا يتحركون أمامنا : يبغضون ، يتصارعون ، ويتحاورون . فالكلمات في نهج البلاغة تتحرك كبشر ، والحروف تتصارع كما تتصارع الجيوش . ونجم عن تفاعل كلمات الإمام بالواقع المعاش خصائص فريدة لنهج البلاغة أهمها : قوة الإيقاع ، وانسيابية العبارات ، وحركية الألفاظ ، وحيوية الكلمات ، وإنسانية التعبير ، والنزعة العلمية . أولا : الإيقاع الفني . يستمد الشعر جماله من القافية ، فكلما كان إيقاعها رخيما بديعا كان الشعر أقوى ، وإذا استخدم الإيقاع في النثر بطريقة صحيحة وليس بطريقة سقيمة فإنه سيضفي عليه جمالا آخر فيجمع بين جمال المعنى وجمال الإيقاع . وكما أنّ الإيقاع من خصائص القرآن الكريم ، كذلك فهو من خصائص الخطاب العلوي الذي يستمد معانيه وأساليبه من القرآن الكريم نفسه . وسيساهم الإيقاع في تصوير الواقعة ، وتقريب المفاهيم إلى الأذهان . يقول الإمام عليه السّلام : « الدنيا تغرّ وتضرّ وتمرّ » « 1 » فإيقاع الكلمات الثلاث كاف في تقريب مفهوم الدنيا إلى الأذهان . فمن إيقاع هذه الكلمات نسمع صوت السقوط والانهيارات المتتالية . . تغرّ . . تضرّ . . تمرّ وبما لا تستطيع مئات الكلمات من أن تصور لنا المعنى الذي صورته لنا هذه الكلمات الثلاثة بإيقاعاتها المتعاقبة . يقول الإمام أيضا : « ضع فخرك واحطط كبرك ، واذكر قبرك » « 2 » نحس من إيقاع حرف الكاف صعود الشيء إلى فوق ثم سقوطه إلى الأسفل وهو ما يتناسب وهذه الكلمات : فخرك ، كبرك ، قبرك . وقوة استخدام العنصر الإيقاعي يتوقف على المتكلم وقدرته على التلاعب

--> ( 1 ) باب الحكم : 407 . ( 2 ) باب الحكم : 286 .